Loading...
رئيس مجلس الإدارة
د.حاتم صادق

المصرى اون لاينبوابة خبرية متخصصة

رئيس التحرير
قدري الحجار

ترامب يغرق في المستنقع الإيراني
الدكتور حاتم صادق

الدكتور حاتم صادق

كل يوم يمر بعيدا عن طاولة التفاوض يتورط الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المستنقع الإيراني، فبالإضافة الى انه لا يمتلك أي رؤية عن كيفية التعامل مع الأحداث المتلاحقة في طهران، فأن نتائج الضربة الأولى التي قضت على رأس هرم السلطة وكبار قادته لم تحفز الشعب على النزول إلى الشارع للانقلاب على نظام الملالي كما كان يتوقع.. والان يحاول ان يلعب اخر أوراقه "الأقليات" في ايران وتحديدا الاكراد.
يتسم تاريخ العلاقات الأمريكية-الكردية بنمط متكرر من التحالفات التكتيكية التي تنتهي بـ "خيانة" أو تخلي واشنطن عن حلفائها الأكراد بمجرد انتهاء حاجتها إليهم أو تغير توازنات القوى الإقليمية. في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، وبدفع من "شاه إيران" محمد رضا بهلوي وهنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، قدمت الولايات المتحدة دعماً عسكرياً ومالياً سرياً للملا مصطفى البرزاني لمواجهة الحكومة العراقية. وكانت لحظة الخداع في عام 1975، حين عقد شاه إيران اتفاقاً مفاجئاً مع صدام حسين في الجزائر لتبادل السيادة على "شط العرب" مقابل وقف الدعم للأكراد. والنتيجة: توقفت المساعدات الأمريكية فوراً. وعندما ناشد البرزاني هنري كيسنجر التدخل، رد الأخير بجملته الشهيرة التي لخصت براغماتية واشنطن: "العمليات السرية لا ينبغي الخلط بينها وبين العمل الخيري". وتُرك الأكراد لمواجهة البطش العراقي، مما أدى إلى مقتل وتشريد الآلاف وتدمير أكثر من 1400 قرية.
بعد حرب الخليج الثانية، شجعت واشنطن العراقيين (والأكراد خصوصاً) على الثورة ضد صدام حسين، لكنها تخلت عنهم في اللحظة الحاسمة. وكان عام الخذلان في 1991، عندما دعا الرئيس جورج بوش الأب الشعب العراقي للانتفاض، وبالفعل سيطر الأكراد على معظم مدنهم. لكن واشنطن، خوفاً من تفكك العراق أو نفوذ إيران، سمحت لصدام باستخدام طائرات الهليكوبتر لقمع الثورة. والنتيجة: حدثت هجرة جماعية مليونية نحو الجبال الإيرانية والتركية في ظروف مأساوية، ولم تتدخل واشنطن إلا لاحقاً بفرض "منطقة حظر طيران" تحت ضغط إنساني دولي.
في سوريا، تكرر السيناريو مع الأكراد الذين كانوا رأس الحربة في قتال تنظيم "داعش" بعد عام 2011. وتحالفت واشنطن مع "وحدات حماية الشعب" (YPG) ضمن "قسد"، وقدمت وعوداً بحمايتهم مقابل دحر التنظيم الإرهابي. وكانت الخيانة الكبرى في أكتوبر 2019؛ فبعد مكالمة هاتفية مع الرئيس التركي، أعلن الرئيس دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من المناطق الحدودية بشكل مفاجئ، مما أعطى "الضوء الأخضر" لتركيا لشن عملية "نبع السلام". والنتيجة: وُصف القرار في الدوائر الدولية بأنه "طعنة في الظهر". اضطر الأكراد للارتماء في أحضان النظام السوري وروسيا لحماية أنفسهم من الهجوم التركي، وفقدوا مساحات شاسعة من الأراضي التي حرروها بدمائهم.
وفي سوريا أيضاً مطلع هذا العام 2026: تكرر المشهد مع "التحول الكبير" بشكل أكثر قسوة مع سقوط نظام الأسد وتغير خريطة النفوذ. وأظهرت التقارير الميدانية أن القوات الكردية وجدت نفسها وحيدة مرة أخرى أمام تقدم الفصائل المسلحة، حيث تراجعت واشنطن عن حماية مكاسب الأكراد الإدارية في شمال شرق سوريا، مفضلة التنسيق مع القوى الإقليمية الصاعدة (تركيا والحكومة الانتقالية في دمشق) لتأمين مصالحها الأوسع. وفي مواجهة تلك الحملة، قامت القوات الكردية بإخلاء سجون داعش وتوقفت عن حراستها عندما انسحبت القوات الأمريكية من البلاد.
وإذا كانت الضربات الإسرائيلية والأمريكية قد أضعفت من قدرة سيطرة النظام، إلا أنها لم تقضِ عليه؛ فالأمر يحتاج إلى مشاة -كما قلنا- للسيطرة، وهذه كلفة باهظة لا يمكن أن تتحملها واشنطن، لذا لم يكن أمام ترامب إلا الاستعانة بورقة الأكراد لتحريك المياه الراكدة على الأرض. وبالتنسيق مع المخابرات الأمريكية الموجودة في كردستان العراق، بدأت جماعة كردية في غرب إيران تنفيذ هجمات برية محدودة حتى الآن.
يشكل الأكراد تقريباً 12% من عدد سكان إيران تبعاً لآخر إحصائية، وهم يمثلون القومية الثالثة من حيث الترتيب بعد الفرس الذين يشكلون ما يزيد عن 51 إلى 60%، والآذريين من 16 إلى 24% من تعداد السكان البالغ ما يقارب 100 مليون نسمة، وهي نسبة لا يمكن أن تقلب الموازين بقدر ما تسبب إزعاجاً على أقصى تقدير، إذا أخذنا في الاعتبار التاريخ السيئ من العلاقات بينهم وبين الولايات المتحدة.
وبالفعل دعا ترامب القادة الأكراد العراقيين لمناقشة العملية العسكرية الأمريكية في إيران، وكيف يمكن للولايات المتحدة والأكراد العمل معاً مع تقدم المهمة. ويأمل الرئيس أن تواجه القوات المسلحة الكردية قوات الأمن الإيرانية وتثبّتها لتسهيل خروج الإيرانيين العزل في المدن الكبرى دون التعرض للبطش مرة أخرى، كما حدث أثناء الاضطرابات في يناير. ترى الإدارة الأمريكية أن الأكراد يمكنهم أن يساعدوا في زرع الفوضى وتقليص الموارد العسكرية للنظام الإيراني عبر استنزاف قدراته العسكرية في الأطراف وخلخلة تماسكه الميداني، مما يخلق ثغرات أمنية واسعة، وتحويل المناطق الشمالية إلى منصات عمليات لوجيستية ومخابراتية متقدمة تخدم الأهداف الأمريكية والإسرائيلية ضد النظام.
تتعامل واشنطن مع القضية الكردية كـ "ورقة ضغط" أو "وكيل ميداني" مؤقت. إن الإصرار الأمريكي على تكرار ذات السيناريو مع الأكراد، والإصرار الكردي على الوقوع في نفس الشرك الامريكي، يثبت أن الطرفين لم يتعرّضا لـ 'خديعة' بقدر ما هما محبوسان في 'مقايضة دموية'؛ حيث تشتري واشنطن الوقت والجهد الميداني، ويشتري الأكراد 'وهماً' بالدولة أو الحماية الدولية. ومع سحب آخر جندي أمريكي من سوريا مطلع عام 2026، تكتمل فصول التراجيديا الكردية؛ لتؤكد من جديد أن واشنطن لا تبيع حلفاءها فحسب، بل تتركهم وقوداً في محرقة الجغرافيا السياسية. وبصراحة تامة، يظل المثل الكردي القديم ليس مجرد حكمة، بل هو الحكم الوحيد المتبقي على أرض الواقع: 'ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال'.. والجبال وحدها اليوم هي من تشهد على سقوط الرهانات الخاسرة مرة أخرى."



تواصل معنا